اسماعيل بن محمد القونوي
115
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
المشركين رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها [ المؤمنون : 108 ] وقد تيقنوا بالخلود لفرط الحيرة وهنا ليس كذلك ولو قيل إن المنافقين لمشاهدتهم عزة المسلمين واستعلاء شأنهم آنا فآنا وقعوا في حيرة عظيمة ودهشة جسيمة فجوزوا أن يكون اللّه تعالى مخدوعا وخادعا لكان لما ذكره الزمخشري وجه في الجملة فيكون نظير قول « 1 » الكافرين لكنه ركيك جدا ومن هذا أسقطه المصنف بل أشار إلى سخافته بقوله ولأنهم لم يقصدوا ولم يتعرض المص لدليل عدم كونه خادعا لكمال ظهوره وقد أوضحناه آنفا . قوله : ( بل المراد إما مخادعة رسوله عليه السّلام على حذف المضاف ) أشار به إلى أن المجاز اللغوي غير جائز هنا فهو إما مجاز في الحذف أو مجاز في النسبة الإيقاعية وهذا هو المراد بقوله ( أو على أن معاملة الرسول عليه السّلام معاملة اللّه ) لا بأن يطلق مجازا لفظ الجلال على الرسول عليه السّلام لما عرفت من عدم صحته وجريان المجاز العقلي في النسبة الإيقاعية بل الإضافية مما صرح به النحرير في المطول والظاهر من كلامه أن الخداع محقق من جانب الرسول عليه السّلام والمؤمنين كما أنه محقق من المنافقين ولا ضير في التزامه إذ لا مانع من صدوره من الرسول عليه السّلام والمؤمنين بإغفالهم وإيهامهم خلاف ما يريدون من المكروه لكن لما كان خداع المنافقين للإفساد وهيجان الحروب والفتن بين العباد رد اللّه تعالى عليهم بقوله : وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ بخلاف خداع المسلمين فإنه صلاح وإصلاح في الحقيقة ومن هذا ورد في الحديث « الحرب خدعة » ويحتمل أن يكون الخداع مجازا في جانب المؤمنين حقيقة من المنافقين لأن المصنف ممن يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز وأما جعلهما مجازا منهما فلا يلائمه قوله وأما أن صورة صنيعهم وكذا لا يحسن جعله بمعنى يخدعون لقوله ويحتمل أن يراد الخ . قوله : ( من حيث إنه خليفته ) بيان للملابسة عليها بدون صحة المجاز العقلي لكن الملابسة المعتبرة في المجاز العقلي على ما ثبت في كتب المعاني تحققها هنا خفي فليتدبر « 2 » ( كما قال اللّه تعالى : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [ النساء : 80 ] تأييد قوله : وأهل الدرك الأسفل وهو الطبق الذي في قعر جهنم قال الراغب الدرك كالدرج الدرج يقال اعتبارا بالصعود والدرك اعتبارا بالحدور ولذا قيل درجات الجنة ودركات النار ولتصور الحدور في النار سميت هاوية . قوله : ويحتمل أن يراد عطف على قوله المخادعة تكون بين اثنين فهو في قوة أن يقال ويحتمل أن تكون من واحد ليقابل المعطوف عليه .
--> ( 1 ) وهو قولهم واللّه رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ وقولهم رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها علمهم بامتناع ذلك فإذا جاز للعاقل أن يقصد ما يمتنع وجوده مع علمه بالامتناع في ذلك جاز أيضا أن يقصد المنافقون ما علموا امتناع وجوده لفرط الحيرة كما بيناه إذ المرض المشار إليه في قوله تعالى : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ الآية لما استولى على قلوبهم وعقولهم وغلب الوهم عليهم جوزوا ذلك حقيقة وبذلك يتم توجيه الزمخشري . ( 2 ) قيل لعل هذا مبني على ما ذهب إليه صاحب الكشاف مخالف للجمهور من أن العلاقة في المجاز العقلي -